عمر فروخ
309
تاريخ الأدب العربي
البيان ( وضوح كلام العرب ) والتبيين ( التعبير بوضوح عن مقاصد الإنسان ) . وكانت غاية الجاحظ من تأليف هذا الكتاب أن يدافع عن تفوق البيان العربي في جميع مظاهره وأن يردّ على الشعوبية الذين كانوا يريدون أن ينتقصوا العرب بالتعريض ببعض أحوالهم الاجتماعية والأدبية كحملهم العصا عند الخطابة ، حتى إنّه عقد فصلا طويلا في هذا الكتاب سماه باب العصا للرد على الشعوبية خاصة . وقد تكلم الجاحظ في هذا الكتاب على الألفاظ والتراكيب وعلى لهجات العرب في البدو والحضر ثمّ تكلم على الشعراء والخطباء والنساك والمعتزلة وعلى مكانة البيان العربي بالإضافة إلى عبقرية الأمم ، وعلى أن عبقرية العرب إنما هي في لغتهم وبيانهم وشعرهم . وجمع الجاحظ في هذا الكتاب نماذج من الشعر والنثر تمثّل أوجه التعبير عن المقاصد وتصف أحوال الإنسان وتأتي شواهد على الآراء والمعتقدات وعلى حقائق الأمور . وفي هذا الكتاب استطراد كثير . 3 - المختار من آثاره - من كتاب البخلاء : قال خاقان بن صبيح : دخلت على رجل من أهل خراسان ، وإذا هو قد أتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الدقّة ، وقد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح ، وعلّق على عمود المنارة عودا بخيط وقد حزّ فيه حتى صار فيه مكان للرباط . فكان المصباح إذا كاد ينطفئ أشخص رأس الفتيلة بذلك العود . قال خاقان : فقلت له : ما بال العود مربوطا ؟ قال : هذا عود قد تشرّب الدهن ، فإذا ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان . فإذا كان هذا دأبنا ودأبه ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة . قال خاقان : فبينا أنا أتعجّب في نفسي وأسأل اللّه جلّ ذكره العافية والستر ، إذ دخل شيخ من أهل مرو ، فنظر إلى العود فقال : يا أبا فلان ، فررت من شيء فوقعت في شبيه به ! أما تعلم أن الريح والشمس تأخذان